تخطَّ إلى المحتوى

وجهات نظر — مقالات مختارة

قراءة تشريعية من واقع الممارسة المصرفية

المادة ١٢١ من قانون التجارة الأردني: قاعدة عامة للاعتماد المصرفي لمصلحة الغير أم جسر إلى الاعتماد المستندي؟

قراءة في الحدود الفاصلة بين الاعتماد المالي والاعتماد المصرفي والاعتماد المستندي

محمد محمود برجاق · نُشر أصلًا على حساب المؤسِّس في LinkedIn.

تنزيل النسخة PDF

تمهيد

لا يذكر قانون التجارة الأردني رقم ١٢ لسنة ١٩٦٦ الاعتماد المستندي باسمه، ولا يضع له نظاما يضاهي ما استقر لاحقا في بعض القوانين العربية وفي القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية. غير أن هذا الصمت لا يبرر نتيجتين متعارضتين: فلا يصح القول إن القانون الأردني خلا كليا من كل قاعدة يمكن أن تمس التزام البنك تجاه مستفيد من الغير، كما لا يصح جمع المواد ١١٨ إلى ١٢١ في حزمة واحدة ثم معاملتها باعتبارها تنظيما مستترا للاعتماد المستندي.

النصوص أدق من ذلك. فالمادة ١١٨ تنظم صراحة عقد فتح الاعتماد المالي، وتستكمل المادتان ١١٩ و١٢٠ بعض أحكام ذلك العقد من حيث الملاءة والضمانات. أما المادة ١٢١ فتنتقل في عبارتها إلى الاعتماد المصرفي المخصص للوفاء لمصلحة الغير، وتنظم في فقرتها الأولى أثرا يتعلق بالتزام البنك تجاه ذلك الغير، ثم تعالج في فقرتيها الثانية والثالثة بعض آثار العلاقة الداخلية من استرداد وفائدة وعمولة.

وبين الاعتماد المالي والاعتماد المصرفي تقع المسألة كلها: هل نظم المشرع الأردني في المادة ١٢١ قاعدة عامة يمكن أن يدخل الاعتماد المستندي في بعض تطبيقاتها، أم أن المادة ١٢١ تكفي بذاتها لإخضاع الاعتماد المستندي، بكامل بنيانه، لأحكام المواد السابقة؟

الخلاصة التي تدافع عنها هذه القراءة هي أن المادة ١٢١ تقرر، في نطاقها النصي، قاعدة عامة للاعتماد المصرفي المخصص للوفاء لمصلحة الغير. وقد يدخل الاعتماد المستندي في بعض تطبيقات هذه القاعدة، من حيث استقرار التزام البنك تجاه المستفيد وعدم جواز الرجوع عنه أو تعديله بعد تحقق الواقعة التي رتب النص عليها هذا الأثر. غير أن المادة ١٢١ لا تنظم الطبيعة المستندية للعملية، ولا تنشئ نظاما قانونيا كاملا للاعتماد المستندي، كما لا تسمح باعتبار كل اعتماد مستندي تطبيقا تلقائيا للمواد ١١٨–١٢٠.

فالمادة ١٢١ نص عن تخصيص اعتماد مصرفي للوفاء لمصلحة الغير، وعن التزام مباشر ونهائي ينشأ تجاه ذلك الغير، وليست نصا يحيط بأركان الاعتماد المستندي ودورته القانونية والتشغيلية. وهي لا تحدد المستندات المطلوبة، ولا معيار التقديم المطابق، ولا مدة الفحص، ولا آلية إشعار الرفض، ولا توزع التزامات البنك المصدر للاعتماد المستندي والبنك المبلغ للاعتماد المستندي والبنك المعزز للاعتماد المستندي والبنك المسمى.

أولا: الموضع التشريعي الصحيح للمواد ١١٨–١٢٢

يثبت النص المنشور في الجريدة الرسمية أن المواد محل البحث تقع في الكتاب الثاني المعنون «العقود التجارية» ويبدأ الكتاب الثاني بالمادة ٥١ تحت الباب الأول المعنون «أحكام عامة».

أما المواد ١١٨–١٢٢ فتقع في الباب الخامس من الكتاب الثاني، وهو الباب المعنون «الحساب الجاري». يبدأ هذا الباب بالمادة ١٠٦ التي تعرف الحساب الجاري، وتستمر أحكام الحساب الجاري حتى المادة ١١٤. ثم ينتقل القانون، من غير إنشاء باب أو فصل أو عنوان فرعي جديد، إلى الوديعة النقدية لدى البنك في المادة ١١٥، ووديعة الأوراق المالية في المادة ١١٦، وإجارة الصناديق الحديدية في المادة ١١٧، ثم عقد فتح الاعتماد المالي وآثاره في المواد ١١٨–١٢٠، فالاعتماد المصرفي المخصص للوفاء لمصلحة الغير في المادة ١٢١. وتختتم المادة ١٢٢ هذا السياق بإحالة العمليات المصرفية غير المذكورة في الباب إلى أحكام القانون المدني المختصة بالعقود المختلفة.

إذن، لا يوجد في التبويب الرسمي باب مستقل عنوانه «العمليات المصرفية». ومع ذلك، يضم الباب الخامس عمليات مصرفية متعددة بعد انتهاء أحكام الحساب الجاري. كما أن صياغة المادة ١٢٢ تفترض أن الباب يتضمن عمليات مصرفية مذكورة، إلى جانب عمليات مصرفية أخرى لم يرد لها تنظيم فيه.

وهذه مفارقة تشريعية ذات دلالة: فالموضع التشريعي يؤكد الصلة بالعمل المصرفي، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن التقنين لم يبن تنظيما مصرفيا متكاملا ومنضبط العناوين، بل جمع أحكاما متفرقة تحت عنوان أضيق من مضمونها.

وتزداد دلالة هذا البناء عند مقارنته بقانون التجارة اللبناني. فالمواد الأردنية ١١٥–١٢٢ تقابل، في مضمونها وتسلسلها، المواد اللبنانية ٣٠٧–٣١٤، وهي واردة في القانون اللبناني تحت باب صريح عنوانه «في عمليات المصارف». وتقابل المادة الأردنية ١٢١ على وجه الخصوص المادة اللبنانية ٣١٣، التي جاءت عقب مواد فتح الاعتماد المالي مباشرة. ولا يثبت هذا التطابق، في غياب الأعمال التحضيرية الأردنية، طريق الاقتباس التشريعي على وجه القطع؛ لكنه يقوي قراءة المواد ١١٨–١٢١ كوحدة مترابطة، ويضعف القول إن اختلاف المصطلح في المادة ١٢١ أنشأ قطيعة كاملة مع عقد فتح الاعتماد المالي المنظم في المواد السابقة.

ثانيا: ماذا تنظم المواد ١١٨–١٢٠ على وجه الدقة؟

تنص المادة ١١٨ على عقد فتح الاعتماد المالي. وبموجبها يلتزم فاتح الاعتماد المالي بأن يضع بعض الأموال تحت تصرف المعتمد له، فيتناولها دفعة واحدة أو على دفعات متوالية بحسب حاجته خلال ميعاد. كما تقرر أن ما يوفيه المعتمد له أو يرجعه أثناء مدة العقد يضاف إلى المتبقي من المبلغ الموضوع تحت تصرفه، ما لم يوجد اتفاق مخالف.

ترسم هذه المادة بنية واضحة: أموال توضع تحت التصرف، وحق في السحب خلال مدة، وإمكان لاستعادة الجزء الذي أوفاه المعتمد له أو أرجعه إلى المبلغ المتاح. وهذه هي بنية تسهيل مالي متجدد أو خط تمويل، وليست بنية تعهد مستندي يصدر لمصلحة مستفيد.

وتعالج المادة ١١٩ حالتين مختلفتين لا يجوز دمجهما في حكم واحد. ففي الحالة الأولى يجوز لفاتح الاعتماد المالي نقض العقد إذا أصبح المعتمد له غير مليء، أو كان عديم الملاءة وقت التعاقد من غير علم فاتح الاعتماد المالي. وفي الحالة الثانية، إذا وقع نقص هام في الضمانات العينية أو الشخصية التي قدمها المعتمد له، جاز لفاتح الاعتماد المالي أن يطلب ضمانة إضافية، أو تخفيض مبلغ الاعتماد المالي، أو إغلاق الاعتماد المالي بحسب مقتضى الحال.

أما المادة ١٢٠ فتتناول الضمانة المقدمة رهنا أو تأمينا عقاريا، وتقرر امتداد القيد المتخذ عند العقد إلى السلف التي تحصل لاحقا بناء على عقد فتح الاعتماد المالي. والمقصود الجوهري هنا هو شمول الضمان للسلف اللاحقة الناشئة عن العقد.

ويلزم تسجيل ملاحظة حاسمة: لا تنص المواد ١١٨–١٢٠ على أن فاتح الاعتماد المالي يجب أن يكون بنكا. فهي تستخدم عبارتي «فاتح الاعتماد المالي» و«المعتمد له»، ولا تجعل صفة البنك ركنا مصرحا به في العقد.

تدل القراءة النظامية، بالنظر إلى موقع المواد بين أحكام الودائع البنكية والمادة ١٢١ ثم الإحالة الواردة في المادة ١٢٢، على أن المشرع كان يستحضر الاعتماد المالي في بيئته المصرفية المعتادة. لكن هذا الاستنتاج النظامي لا يجيز، من نصوص قانون التجارة وحدها، إضافة شرط لم تنطق به. ولذلك لا تجعل عبارات المواد ١١٨–١٢٠ صفة البنك شرطا نصيا صريحا. أما نطاق تطبيقها الشخصي، فيبقى خاضعا للقراءة النظامية وللتشريعات المصرفية الخاصة الواجبة التطبيق، ولا يصح حسمه من غياب لفظ البنك وحده.

أما في سياق الاعتماد المستندي، فتحكم المواد ١١٨–١٢٠ العلاقة التمويلية الداخلية متى ثبت وجود عقد فتح اعتماد مالي تتوافر فيه عناصر المادة ١١٨. وقد تكون المادة ١٢١ امتدادا لهذا العقد حين يخصص البنك أحد أوجه استعماله للوفاء أو القبول لمصلحة الغير، سواء اتخذت العملية صورة اعتماد مستندي أم صورة أخرى من صور الاعتماد المصرفي لمصلحة الغير.

ثالثا: الاعتماد المالي ليس مرادفا للاعتماد المستندي

الاعتماد المالي ينظم علاقة إتاحة الأموال: مبلغ يوضع تحت تصرف المعتمد له، وسحوبات تتم في حدود ذلك المبلغ، ومبالغ معادة قد تجدد الجزء المتاح، وضمانات تواجه خطر عدم السداد.

أما الاعتماد المستندي فيقوم، في صورته الحديثة، على تعهد مستقل يصدره البنك المصدر للاعتماد المستندي لمصلحة المستفيد. ويلتزم البنك المصدر بالوفاء عندما يقدم المستفيد مستندات تشكل تقديما مطابقا لشروط الاعتماد المستندي والقواعد التي تحكمه. وقد يكون الاعتماد المستندي متاحا لدى بنك مسمى بالوفاء أو التداول، بحسب شروط الاعتماد المستندي، لكن البنك المصدر للاعتماد المستندي يفي ولا يتداول.

وقد يرتبط الاعتماد المالي بالاعتماد المستندي عمليا؛ فقد يمنح البنك عميله تسهيلا ماليا يسمح له بطلب إصدار اعتماد مستندي في حدود ذلك التسهيل. لكن الارتباط الاقتصادي أو التشغيلي لا يساوي الاندماج القانوني.

وقد يصدر الاعتماد المستندي بغطاء نقدي كامل يقدمه طالب فتح الاعتماد المستندي، فلا يكون البنك قد وضع أموالا تحت تصرفه أو منحه تمويلا بالمعنى الذي تصفه المادة ١١٨. ومع ذلك يظل التعهد الصادر للمستفيد اعتمادا مستنديا صحيحا في طبيعته. وهذه الحالة وحدها تكفي لنفي القول إن كل اعتماد مستندي صورة من صور الاعتماد المالي.

فالاعتماد المالي يحكم العلاقة التمويلية الداخلية، أما الاعتماد المستندي فينشئ، إلى جانب العلاقة الداخلية، التزاما بنكيا خارجيا تجاه المستفيد. وقد تجتمع العمليتان في ملف مصرفي واحد، لكن لكل منهما سببه وأطرافه وشروطه وآثاره ومخاطره.

رابعا: المادة ١٢١ تنقل أثر الاعتماد المصرفي إلى الغير

لا تتحدث المادة ١٢١ عن الاعتماد المالي، بل عن الاعتماد المصرفي إذا خصص للوفاء لمصلحة الغير. وهذا الانتقال في المصطلح لا يجوز إهداره، كما لا يجوز تحميله قصدا تشريعيا قطعيا لم تثبته الأعمال التحضيرية.

ولا يثبت اختلاف المصطلح وحده أن المادة ١٢١ انتقلت إلى مؤسسة قانونية منفصلة عن عقد فتح الاعتماد المالي. فتعاقب المواد، وترابط آثارها، والمقابل اللبناني للنص، تدعم قراءة أخرى مؤداها أن المادة ١٢١ تعالج الصورة التي لا يبقى فيها استعمال الاعتماد المالي محصورا بين فاتح الاعتماد المالي والمعتمد له، بل يخصص للوفاء أو القبول لمصلحة شخص من الغير. وبهذا تنتقل بعض آثار العلاقة إلى الغير من دون أن يصبح كل تطبيق للمادة ١٢١ اعتمادا مستنديا. فالمادة ١١٨ تتجه إلى وضع الأموال تحت تصرف المعتمد له، بينما تتجه الفقرة الأولى من المادة ١٢١ إلى تخصيص الاعتماد المصرفي للوفاء لمصلحة شخص من الغير، وإلى الأثر المترتب على تأييد البنك لذلك الاعتماد المصرفي لمستحقه.

وترتب الفقرة الأولى أثرين متلازمين: عدم جواز الرجوع عن الاعتماد المصرفي المخصص للوفاء أو تعديله دون رضا الغير، والتزام البنك تجاه ذلك الغير مباشرة ونهائيا بقبول الأوراق والإيفاءات المقصودة.

لكن قراءة المادة ١٢١ لا تكتمل عند فقرتها الأولى. فالفقرة الثانية تمنح البنك حق استرداد المبالغ التي دفعها والمصاريف التي أنفقها لإنفاذ ما وكل به، مع الفائدة المتفق عليها أو الفائدة القانونية عند عدم الاتفاق، ابتداء من يوم الدفع. وتضيف الفقرة الثالثة حق البنك في استيفاء العمولة.

تكشف هذه الفقرات الثلاث عن بنية ذات وجهين: وجه خارجي يتمثل في التزام البنك تجاه المستحق من الغير، ووجه داخلي يتعلق بالتكليف والاسترداد والفائدة والعمولة. ولا تسمي الفقرة الثانية صراحة الشخص الذي يرجع عليه البنك، وإن كان سياق العملية يرجح أن الرجوع يقع في العلاقة الداخلية مع الطرف الذي كلف البنك أو طلب منه تنفيذ العملية.

كما لا يكفي استعمال عبارة «ما وكل به» للجزم بأن العلاقة الداخلية وكالة مدنية مكتملة الأركان في كل حالة. لكنها لغة ذات صلة بالتكليف والوكالة، وتمنع قراءة المادة ١٢١ وكأنها لا تتناول سوى العلاقة الخارجية مع المستفيد.

وهذه البنية الثنائية تقرب المادة ١٢١ من بعض العلاقات التي يقوم عليها الاعتماد المستندي: تعهد خارجي تجاه المستفيد، وعلاقة داخلية بين البنك وطالب فتح الاعتماد المستندي. لكنها لا تثبت التطابق؛ لأن المادة ١٢١ لا تقرر استقلال التعهد عن العقد الأساس، ولا تحدد الطبيعة المستندية للوفاء، ولا تنظم التقديم المطابق أو فحص المستندات.

كذلك فإن وصف التزام البنك بأنه مباشر ونهائي لا يكفي وحده لاستخلاص مبدأ الاستقلال بالمفهوم الفني الذي يحكم الاعتماد المستندي الحديث. فالمباشرة والنهائية تتعلقان بثبوت الالتزام تجاه الغير وعدم الرجوع عنه أو تعديله دون رضاه، أما الاستقلال عن العقد الأساس فهو مسألة أخرى لم تتناولها المادة ١٢١ صراحة.

خامسا: ما الدلالة القانونية لفعل «أيد» في المادة ١٢١؟

فعل «أيد» هو أكثر عناصر المادة ١٢١ قابلية للالتباس؛ لأنه قريب لغويا من المصطلح الذي استخدمته بعض التشريعات العربية للدلالة على ما يسمى اليوم، في الاصطلاح المهني الأدق، التعزيز المصرفي للاعتماد المستندي. غير أن التقارب اللفظي لا يكفي لإثبات التطابق الفني.

التعزيز المصرفي للاعتماد المستندي، وفقا للقواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية الواردة في نشرة غرفة التجارة الدولية رقم ٦٠٠، يقتضي أن يضيف البنك المعزز للاعتماد المستندي تعهده المستقل إلى تعهد البنك المصدر للاعتماد المستندي، بناء على تفويض أو طلب من البنك المصدر للاعتماد المستندي. وبذلك يوجد بنكان وتعهدان مستقلان.

أما المادة ١٢١ فلا تعرف بنكا آخر، ولا تتحدث عن إضافة تعهد مستقل إلى تعهد قائم، ولا عن تفويض بإضافة التعزيز المصرفي للاعتماد المستندي، ولا عن العلاقة بين البنك المصدر للاعتماد المستندي والبنك المعزز له.

لذلك لا يجوز أن توصف كل واقعة يتحقق فيها فعل «أيد» بأنها تعزيز مصرفي للاعتماد المستندي. والأقرب، في الحد التفسيري الآمن، أن هذا الفعل يدل على تصرف يجعل التزام البنك تجاه المستحق من الغير ثابتا ومباشرا ونهائيا، من غير أن يحدد النص ما إذا كان البنك هو البنك الذي أنشأ الالتزام ابتداء أو بنكا آخر يضيف التزاما جديدا.

والأقرب، في ضوء تركيب النص وسياقه، أن «التأييد» المقصود هو تصرف البنك الذي يثبت للمستحق من الغير أن الاعتماد المصرفي قد خصص للوفاء لمصلحته، فيترتب على ذلك استقرار حقه المباشر والنهائي. ولا يظهر من النص وجود بنك ثان أو تعهد سابق يضاف إليه تعهد مستقل. ومن ثم لا يستوي هذا التأييد، بمجرده، مع التعزيز المصرفي للاعتماد المستندي بالمفهوم الفني الحديث. فإذا تدخل بنك آخر في واقعة اعتماد مستندي وأضاف تعهده المستقل بناء على تفويض من البنك المصدر للاعتماد المستندي، كان وصف تدخله مستمدا من نصوص الاعتماد المستندي والقواعد التي تحكمه، لا من فعل «أيد» الوارد في المادة ١٢١.

فالنتيجة القانونية لا تعرف من الأثر وحده، بل من هوية البنك المتدخل، ومصدر تفويضه، ونص تعهده، والقواعد التي أخضعت لها العملية المصرفية.

سادسا: «قبول الأوراق والإيفاءات المقصودة» لا يعني فحص مستندات الاعتماد المستندي

يرجح السياق التشريعي والدلالة الفنية لفعل «القبول» أن المقصود بالأوراق هو الأوراق التجارية التي يتعهد البنك بقبولها في إطار اعتماد بالقبول، وأن المقصود بالإيفاءات هو المدفوعات التي خصص لها الاعتماد المصرفي. ويؤيد ذلك النص الفرنسي للمادة اللبنانية ٣١٣ المناظرة، إذ يتحدث عن قبول الأوراق التجارية والوفاءات المعنية.

وقد يكون الاعتماد المستندي متاحا بالقبول، فيلتقي مع هذه الصورة، لكنه قد يكون متاحا كذلك بالوفاء لدى الاطلاع أو بالوفاء الآجل أو بالتداول. ومن ثم لا تجعل عبارة «قبول الأوراق» المادة ١٢١ نصا مستنديا، ولا تدل على مستندات النقل أو التأمين أو الفواتير التجارية.

فالمادة لا تعرف المستندات المطلوبة، ولا تجعل استحقاق الوفاء مشروطا بتقديم مطابق، ولا تنظم فحص المستندات أو مدة الفحص أو إشعار الرفض. ولذلك يحدد النص محل التزام البنك من قبول ووفاء، لكنه لا ينشئ الطبيعة المستندية التي تميز الاعتماد المستندي.

سابعا: التطبيق الصحيح ليس تطبيقا جماعيا للمواد من ١١٨ إلى ١٢١

السؤال القانوني السليم ليس: هل تطبق المواد ١١٨–١٢١ مجتمعة على الاعتماد المستندي؟ بل: أي مادة تطبق، وعلى أي علاقة، وبأي قدر؟

ومن التطبيقات المباشرة التي تستوعبها المادة ١٢١، من غير حاجة إلى افتراض وجود اعتماد مستندي، أن يخصص البنك اعتمادا مصرفيا قائما على علاقته بعميله للوفاء أو القبول لمصلحة مستفيد من الغير، كدائن أو مورد، ثم يؤيد البنك ذلك الاعتماد المصرفي لمستحقه على النحو الذي ترتب عليه، وفقا للفقرة الأولى، استقرار حقه. وقد تخلو هذه العملية تماما من أي اشتراط لتقديم مستندات. كما قد يكون الاعتماد المصرفي المخصص امتدادا لاعتماد مالي قائم بين البنك وعميله، من غير أن يتحول بذلك إلى اعتماد مستندي.

يمكن تطبيق المواد ١١٨–١٢٠ متى ثبت وجود عقد فتح اعتماد مالي تتوافر فيه عناصر المادة ١١٨، مع مراعاة نطاقها الشخصي وأي تشريع خاص واجب التطبيق. ولا تجعل عبارات هذه المواد، بذاتها، صفة البنك شرطا نصيا صريحا. أما في ملف الاعتماد المستندي، فلا تطبق هذه المواد على العلاقة التمويلية الداخلية إلا إذا ثبت أن البنك وطالب فتح الاعتماد المستندي أبرما، إلى جانب طلب إصدار الاعتماد المستندي، عقد فتح اعتماد مالي يمول العملية.

عندئذ تحكم المواد ١١٨–١٢٠ مقدار الأموال الموضوعة تحت التصرف، وتجدد الجزء المعاد، وأثر اختلال الملاءة أو نقص الضمانات، ونطاق الرهن أو التأمين العقاري الذي يضمن السلف اللاحقة. لكنها لا تحكم بذاتها التزام البنك المصدر للاعتماد المستندي تجاه المستفيد.

أما الفقرة الأولى من المادة ١٢١ فيمكن التمسك بحكمها بوصفها قاعدة تتعلق بالاعتماد المصرفي المخصص للوفاء لمصلحة الغير، إذا أثبتت الواقعة أن الاعتماد المستندي محل النزاع يستوفي عناصرها. وهذا تطبيق للمادة ١٢١ بوصفها قاعدة عامة في الاعتماد المصرفي لمصلحة الغير، لا بوصفها تنظيما خاصا للاعتماد المستندي.

وفي هذه الدائرة يمكن أن توفر المادة ١٢١ أساسا وطنيا لعدم جواز الرجوع أو التعديل دون رضا المستفيد، ولنهوض التزام مباشر ونهائي للبنك تجاهه. كما يمكن أن تحكم فقرتاها الثانية والثالثة بعض آثار العلاقة الداخلية من استرداد وفائدة وعمولة، في الحدود التي تسمح بها وقائع العملية والعلاقة العقدية بين أطرافها.

لكن تطبيق المادة ١٢١ على جانب من الاعتماد المستندي لا يعني أن كل اعتماد مستندي يندرج فيها حتما، ولا أن المادة ١٢١ تستوعب جميع أحكام الاعتماد المستندي. فتكييف الواقعة يظل متوقفا على نص التعهد البنكي، وطريقة تبليغه، وهوية البنوك المتدخلة، والقواعد التي أخضع لها الاعتماد المستندي، وطبيعة التقديم المطلوب.

ثامنا: اختبار الملاءة يكشف الحد الفاصل

تظهر ثمرة التمييز عند اختلال ملاءة طالب فتح الاعتماد المستندي أو تراجع الضمانات التي قدمها.

إذا كان البنك قد أبرم مع عميله عقد فتح اعتماد مالي، جاز للبنك، عند تحقق الحالة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة ١١٩، أن يتمسك بحق نقض عقد فتح الاعتماد المالي. وإذا وقع نقص هام في الضمانات، جاز له، وفقا للفقرة الثانية، أن يطلب ضمانة إضافية، أو تخفيض مبلغ الاعتماد المالي، أو إغلاق الاعتماد المالي بحسب مقتضى الحال.

فإذا لم يكن الاعتماد المستندي قد صدر بعد، أمكن لهذه الأحكام أن تؤثر في استمرار التسهيل المالي وفي قرار البنك قبول طلب الإصدار. أما إذا أصدر البنك المصدر للاعتماد المستندي تعهده غير القابل للنقض للمستفيد، فلا يجوز أن يتحول اختلال ملاءة طالب فتح الاعتماد المستندي إلى سبب يمحو الالتزام الخارجي القائم.

يبقى للبنك أن يحمي مركزه في العلاقة الداخلية، وأن يطلب الغطاء أو الضمانات، أو أن يمارس الحقوق التي يقررها عقد فتح الاعتماد المالي والقانون. لكنه لا يستطيع، بسبب اختلال الملاءة وحده، استرداد التعهد المستندي الذي استقر للمستفيد أو محوه بإرادته المنفردة.

وبعبارة جامعة: قد يؤدي اختلال ملاءة طالب فتح الاعتماد المستندي إلى نقض عقد فتح الاعتماد المالي أو إغلاق الاعتماد المالي في العلاقة الداخلية متى توافرت شروط المادة ١١٩، لكنه لا يتحلل من التعهد المستندي الذي خرج إلى المستفيد واستقر له على وجه غير قابل للنقض.

تاسعا: المادة ١٢٢ ليست إقرارا بالفراغ فحسب، بل قاعدة إحالة

تقرر المادة ١٢٢ أن العمليات المصرفية غير المذكورة في الباب تخضع لأحكام القانون المدني المختصة بالعقود المختلفة، مع الإشارة إلى العقود الناجمة عن العمليات المذكورة أو العقود التي تتصف بها تلك العمليات.

ولا تقتصر أهمية هذه المادة على إثبات أن المشرع توقع وجود عمليات مصرفية خارج التنظيم التفصيلي. فهي تضع قاعدة إحالة يتعين إدخالها في التكييف القانوني.

إذا رأت المحكمة أن الاعتماد المستندي، بوصفه عملية مصرفية متميزة، من العمليات غير المذكورة في الباب، انطبقت الإحالة الواردة في المادة ١٢٢. أما إذا كيفت المحكمة الاعتماد المستندي، في جانب منه، تطبيقا للاعتماد المصرفي المخصص للوفاء لمصلحة الغير في المادة ١٢١، طبق حكم المادة ١٢١ على الآثار التي تناولها صراحة.

ولا تعني إحالة المادة ١٢٢ أن كل تفصيل سكتت عنه المادة ١٢١ يخضع لها تلقائيا؛ لأن شرط المادة ١٢٢ يتعلق بعملية مصرفية غير مذكورة، لا بمجرد مسألة غير منظمة داخل عملية مذكورة. وفي الحالتين، تبقى القواعد العامة في القانون المدني وقانون التجارة الأردني وشروط العملية والعرف المصرفي، متى ثبت، مصادر محتملة لاستكمال الجوانب التي لم يعالجها نص خاص.

وتعمل هذه الإحالة إلى جانب القواعد العامة في قانون التجارة الأردني، ومنها المادة ٥٩، وإلى جانب العرف المصرفي متى ثبت وجوده ونطاقه وشروط الاحتجاج به. ولذلك يبدأ التحليل بتكييف العملية: فإن كانت من العمليات غير المذكورة عملت المادة ١٢٢، وإن دخل جانب منها في المادة ١٢١ طبق حكم المادة ١٢١ في حدوده، ثم استكملت بقية الجوانب من المصادر الواجبة التطبيق وفقا لقواعد ترتيب مصادر الحكم واستكمال النقص.

ولا يلزم أن يكون مسارا المادتين ١٢١ و١٢٢ متنافيين. فقد يعد الاعتماد المستندي، بوصفه عملية مصرفية متميزة، من العمليات غير المذكورة تنظيما خاصا في الباب، فتعمل بشأنه إحالة المادة ١٢٢. وفي الوقت نفسه، قد يطبق حكم المادة ١٢١ على أثر معين من آثاره متى استوفت الواقعة عناصر الاعتماد المصرفي المخصص للوفاء لمصلحة الغير. ولا يعني هذا الاجتماع أن المادة ١٢٢ تستورد تلقائيا جميع قواعد الاعتماد المستندي، أو أن المادة ١٢١ تتحول إلى تنظيم خاص له؛ بل تعمل كل مادة في حدود موضوعها.

عاشرا: ما الذي تضيفه المقارنة العربية؟

تظهر قيمة المادة ١٢١ وحدودها عند مقارنتها بتقنينات عربية أفردت للاعتماد المستندي تنظيما مستقلا.

فقد خصص قانون التجارة المصري رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩ المواد ٣٤١–٣٥٠ للاعتماد المستندي، بعد أن نظم الاعتماد المصرفي العادي في المواد ٣٣٨–٣٤٠. وعرف الاعتماد المستندي، وقرر استقلاله عن العقد الأساس، وأحال، في المسائل التي لا ينظمها، إلى القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية.

كما ربط القانون المصري التزام البنك بمطابقة المستندات، ونظم قابلية الاعتماد المستندي للإلغاء، وتدخل بنك آخر، والفرق بين مجرد التبليغ والتدخل المنشئ لالتزام مستقل، وفحص المستندات، ومسؤولية البنك في حدود ظاهر المستندات، وتحويل الاعتماد المستندي، وضمان البنك على البضاعة.

وسبق قانون التجارة الكويتي رقم ٦٨ لسنة ١٩٨٠ إلى فصل واضح بين التنظيم العام لفتح تسهيلات الدفع في المواد ٣٦٤–٣٦٦ وبين الاعتماد المستندي في المواد ٣٦٧–٣٧٧. وهذا الفصل يؤكد أن إتاحة وسائل الدفع للعميل ليست هي التعهد المستندي للمستفيد، ولو ارتبطت العمليتان اقتصاديا.

كما نظم القانون الكويتي استقلال الاعتماد المستندي، وتحديد المستندات، والمطابقة، وتدخل بنك آخر، ومدة الصلاحية، وفحص المستندات، وعدم مسؤولية البنك عن البضاعة، وتحويل الاعتماد المستندي، وحقوق البنك عند عدم سداد الآمر.

وسار المرسوم بقانون اتحادي إماراتي رقم ٥٠ لسنة ٢٠٢٢ بشأن المعاملات التجارية في اتجاه مماثل في المواد ٤٢٩–٤٤٠، فوضع تعريفا للاعتماد المستندي، وقرر استقلاله، ونظم مدة صلاحيته، والتزام البنك المصدر للاعتماد المستندي، وتدخل بنك آخر، والتمييز بين مجرد التبليغ والتدخل المنشئ لالتزام مستقل، وتقديم المستندات وفحصها، والعلاقة المالية بين البنك وطالب فتح الاعتماد المستندي.

وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة في تفسير فعل «أيد». فعندما أرادت هذه التشريعات تنظيم تدخل بنك آخر، ذكرت البنك الآخر، ورتبت على تدخله التزاما مباشرا، وميزت بين مجرد تبليغ الاعتماد المستندي وبين التدخل المنشئ لالتزام مستقل. أما المادة ١٢١ الأردنية فلا تتضمن هذه العناصر التفصيلية، فلا يجوز افتراضها من اللفظ وحده.

ولا تستدعى القوانين المقارنة لتطبيقها في الأردن، بل للكشف عن العناصر التي يحتاجها التنظيم القانوني الكامل للاعتماد المستندي ولا توجد في المادة ١٢١. والفارق ليس في عدد المواد فحسب؛ بل بين قاعدة تعالج بعض آثار تخصيص الاعتماد المصرفي لمصلحة الغير، ونظام يعرف العملية المستندية ويوزع التزامات أطرافها ويبين آثارها.

حادي عشر: القضاء الأردني المتاح لا يحسم تفسير المادة ١٢١

في النص المنشور لقرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم ٦١ لسنة ٢٠٢١، قررت المحكمة أن خطابات الضمان والاعتمادات المستندية تخضع، عملا بالمادة ٥٩/١ من قانون التجارة الأردني، للقانون المدني والعرف، ثم استعانت بتعريف القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية الواردة في نشرة غرفة التجارة الدولية رقم ٥٠٠ لتكييف الأدوات محل النزاع.

تكمن أهمية القرار في أنه يثبت حضور العرف والقواعد المصرفية في التكييف القضائي. لكنه لم يفصل، بحسب النص المنشور، في مدى انطباق المادة ١٢١ على الاعتماد المستندي، ولم يناقش أثر المادة ١٢٢ في هذا الخصوص. وسكوته لا يعد رفضا لتطبيق المادة ١٢١ أو المادة ١٢٢، ولا إقرارا بانطباق أي منهما؛ بل يبقي السؤال مفتوحا.

لهذا لا يجوز أن ينسب إلى القضاء الأردني حسم لم يقع. والأطروحة التي تعرضها هذه القراءة تفسيرية قابلة للدفاع بنصوص المواد ١١٨–١٢٢ وبالبناء النظامي والمقارنة، لكنها لم تتحول، في حدود الأحكام التي أمكن الوصول إليها، إلى مبدأ تمييزي صريح يقرر أن المادة ١٢١ هي النص المنظم للاعتماد المستندي.

ثاني عشر: موضع القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية

لا تعد القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية الواردة في نشرة غرفة التجارة الدولية رقم ٦٠٠ قانونا أردنيا. وهي تسري ابتداء عندما ينص الاعتماد المستندي صراحة على خضوعه لها.

وقد يستعان بهذه القواعد كذلك بوصفها تعبيرا عن الممارسة المصرفية الدولية متى ثبتت شروط الاحتجاج بالعرف أمام القضاء. أما القول بسريانها تلقائيا على كل اعتماد مستندي لمجرد شيوعها في العمل المصرفي فيحتاج إلى حذر؛ لأن إثبات العرف ونطاقه مسألة قانون وواقع، ولأن المادة الأولى من النشرة ذاتها تجعل القواعد ملزمة عندما ينص الاعتماد المستندي صراحة على خضوعه لها.

وعند اجتماع المصادر، يجب تجنب ترتيب جامد يضع كل نص وطني فوق كل اتفاق دون تمييز. فالقاعدة الوطنية تتقدم بقدر ما تكون آمرة أو واجبة التطبيق، وشروط الاعتماد المستندي تحكم العلاقة في نطاق سلطان الإرادة، وتندمج القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية في العلاقة العقدية عند الإحالة إليها، ويكمل العرف والقانون المدني ما بقي من فراغ وفقا لقواعد ترتيب مصادر الحكم واستكمال النقص.

وفي هذا البناء، قد توفر المادة ١٢١ قاعدة وطنية لأثر محدد، وتوفر المادة ١٢٢ طريق الإحالة إلى أحكام القانون المدني إذا توافرت شروطها، بينما تحدد شروط الاعتماد المستندي والقواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية تفاصيل الالتزام المستندي عند الاتفاق على تطبيقها.

ثالث عشر: النتيجة التي تصمد أمام الجدل

لا توجد إجابة سليمة بنعم مطلقة أو بلا مطلقة. فالاعتماد المستندي ليس، بذاته، عقد فتح اعتماد مالي. وإذا ارتبط البنك وطالب فتح الاعتماد المستندي بتسهيل مالي تتوافر فيه عناصر المادة ١١٨، حكمت المواد ١١٨–١٢٠ تلك العلاقة التمويلية الداخلية في حدود نصوصها. لكنها لا تحكم، لمجرد ذلك، التزام البنك المصدر للاعتماد المستندي تجاه المستفيد.

أما المادة ١٢١ فقد تنطبق، بعد التكييف، على الجانب الذي يخصص فيه الاعتماد المصرفي للوفاء لمصلحة الغير وينشأ فيه التزام البنك المباشر والنهائي تجاه المستفيد. كما تنظم فقرتاها الثانية والثالثة بعض آثار العلاقة الداخلية من استرداد وفائدة وعمولة.

ومع ذلك، لا تستوعب المادة ١٢١ الطبيعة المستندية للعملية، ولا تقرر استقلال الاعتماد المستندي عن العقد الأساس، ولا تنظم التقديم المطابق أو فحص المستندات أو الرفض أو توزيع مسؤوليات البنوك المتدخلة.

كما أن فعل «أيد» لا يجوز ترجمته، من تلقاء ذاته، إلى التعزيز المصرفي للاعتماد المستندي. فالتعزيز المصرفي للاعتماد المستندي وصف فني يتطلب بنكا آخر يضيف تعهده المستقل بناء على تفويض أو طلب من البنك المصدر للاعتماد المستندي. أما فعل «أيد» فيثبت، في حده التفسيري الآمن، تصرفا يجعل التزام البنك تجاه المستحق من الغير ثابتا ومباشرا ونهائيا. وما زاد على ذلك يثبت من نصوص العملية ووقائعها، لا من التشابه اللفظي.

وقد يجتمع حكم المادتين ١٢١ و١٢٢ في التكييف ذاته. فإذا عد الاعتماد المستندي، بوصفه عملية مصرفية متميزة، من العمليات غير المذكورة تنظيما خاصا في الباب، عملت بشأنه إحالة المادة ١٢٢. وإذا استوفى أثر معين منه عناصر الاعتماد المصرفي المخصص للوفاء لمصلحة الغير، طبق حكم المادة ١٢١ على ذلك الأثر في حدوده. ولا يعني اجتماع المسارين أن المادة ١٢٢ تستورد تلقائيا بقية أحكام الاعتماد المستندي، أو أن المادة ١٢١ تتحول إلى تنظيم خاص له.

وبذلك يمكن صياغة النتيجة المركزية في العبارة الآتية:

المادة ١٢١ ليست تنظيما خاصا للاعتماد المستندي، بل قاعدة عامة في الاعتماد المصرفي المخصص للوفاء لمصلحة الغير. وقد يكون الاعتماد المستندي أحد تطبيقاتها، بقدر ما ينشئ التزام البنك المباشر والنهائي تجاه المستفيد بعد تثبيت الاعتماد المصرفي له. غير أن انطباق هذه القاعدة لا يستمد منه استقلال الاعتماد المستندي أو طبيعته المستندية أو قواعد التقديم والفحص والرفض؛ فهذه مسائل لم تنظمها المادة ١٢١.

خاتمة: النص الأوسع من الاعتماد المستندي والأضيق من نظامه

قوة المادة ١٢١ ليست في أنها قالت كل شيء عن الاعتماد المستندي، بل في أنها قالت، من غير أن تسمي الاعتماد المستندي، شيئا جوهريا عن تعهد البنك لمصلحة الغير: فقد يستقر للمستحق حق مباشر ونهائي لا يعود رهنا بإرادة العميل والبنك وحدهما.

أما حدود المادة ١٢١ فهي الوجه الآخر لهذه القوة. فقد وقفت عند تخصيص الوفاء واستقرار الالتزام وبعض آثار العلاقة الداخلية، ولم تدخل عالم المستندات أو تقرر قواعده.

ومن هنا تنشأ البذرة التشريعية الحقيقية: لا لأن المادة ١٢١ نظمت الاعتماد المستندي ناقصا، بل لأنها وضعت قاعدة أوسع منه، هي استقرار الاعتماد المصرفي الذي يخصص للوفاء لمصلحة الغير ويثبته البنك لمستحقه. ويمكن أن يستفيد الاعتماد المستندي من هذه القاعدة في منطقة التقاطع بينهما، من غير أن تستمد منها طبيعته المستندية أو استقلاله أو نظام فحص مستنداته.

فالتفسير الرصين يستطيع أن يبني جسرا من المادة ١٢١، وأن يجد في المادة ١٢٢ طريقا لاستكمال بعض الفراغ متى توافرت شروطها؛ لكنه لا ينبغي أن يدعي أن الجسر مدينة كاملة.

المراجع والمصادر

حقوق النشر © محمد محمود برجاق. نشر هذا المقال عبر Burjak Institute®. جميع الحقوق محفوظة.

↩ العودة إلى وجهات نظر